العيني
135
عمدة القاري
السباطة لا في أصل الجدار ، وقد صرح به في رواية أبي عوانة في ( صحيحه ) ، وقيل : يحتمل أن يكون علم أذنهم في الجدار بالتصريح أو غيره ، أو لكونه مما يتسامح الناس به ، أو لعلمه صلى الله عليه وسلم بإيثارهم إياه بذلك ، يجوز له التصرف في مالك أمته دون غيره ، ولأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم . قلت : هذا كله على تقدير أن تكون السباطة ملكاً لأحد أو لجماعة معينين ، وقال الكرماني : وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه بل يفرحون به ، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه . قلت : هذا أيضاً على تقدير أن تكون السباطة ملكاً لقوم . فإن قلت : كان من عادته صلى الله عليه وسلم التباعد في المذهب ، وقد روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد ) . والمذهب ، بالفتح : الموضع الذي يتغوط فيه . وأخرجه بقية الأربعة أيضاً . قلت : يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان مشغولاً في ذلك الوقت بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم ، فلعله طال عليه الأمر ، فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد ، وأنه لو أبعد لكان تضرر . فان قلت : روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال : ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فأراد ان يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال . . . ) الحديث ، فهذا يخالف ما ذكرت فيما مضى عن قريب . قلت : يجوز أن يكون الجدار ههنا عادياً غير مملوك لأحد ، أو يكون قعوده متراخيا عن جرمه فلا يصيبه البول . قوله : ( ثم دعا بماء ) زاد مسلم وغيره من طرق الأعمش : ( فتنحيت فقال : ادنه ، فدنوت حتى قمت عند عقبه ) . وفي رواية أحمد عن يحيى القطان : ( أتى سباطة قوم فتباعدت منه ، فأدناني حتى صرت قريباً من عقبه ، فبال قائماً ، ودعا بماء فتوضأ به ومسح على خفيه ) . بيان استنباط الأحكام الأول : فيه جواز البول قائماً فقاعداً أجوز لأنه أمكن ، وقد اختلف العلماء في هذا فأباحه قوم ، وقال ابن المنذر : ثبت أن عمر وابنه وزيد بن ثابت وسهل بن سعد أنهم بالوا قياماً ، وأباحه سعيد بن المسيب وعروة ومحمدابن سيرين وزيد بن الأصم وعبيدة السلماني والنخعي والحكم والشعبي وأحمد وآخرون ، وقال مالك : إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به ، وإلاَّ فمكروه . وقالت عامة العلماء : البول قائماً مكروه إلاَّ لعذر ، وهي كراهة تنزيه لا تحريم ، وكذلك روي والبول قائماً عن أنس وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة ، رضي الله عنهم وكرهه ابن مسعود وإبراهيم بن سعد ، وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً ، وقال ابن المنذر : البول جالساً أحب إلي ، وقائماً مباح ، وكل ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : رويت أحاديث ظاهرها يعارض حديث الباب . منها : حديث المقداد عن أبيه عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها : ( من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقه ، أنا رأيته يبول قاعداً ) ، أخرجه البستي في ( صحيحه ) ورواه الترمذي ، وقال : حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح . وأخرج أبو عوانة الإسفرائيني في ( صحيحه ) بلفظ : ( ما بال قائماً منذ أنزل عليه القرآن ) . ومنها : حديث بريدة ، رواه البزار بسند صحيح : حدثنا نصر بن علي حدثنا عبد الله بن داود حدثنا سعيد بن عبيد الله حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاث من الجفاء : أن يبول الرجل قائماً . . . ) الحديث ، وقال : لا أعلم رواه عن ابن بريدة إلاَّ سعيد بن عبد الله ، وقال الترمذي : وحديث بريدة في هذا غير محفوظ ، وقول الترمذي يرد به . ومنها : حديث عمر ، رضي الله تعالى عنه ، وأخرجه البيهقي من حديث ابن جريج : أخبرنا عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر قال : قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : ( رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم أبول قائماً ، فقال : يا عمر ! لا تبل قائماً . قال : فما بلت قائماً بعد ) . ومنها : حديث جابر ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه البيهقي أيضاً من حديث عدي بن الفضل عن علي بن الحكم عن أبي نضرة عن جابر : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل قائماً ) . قلت : أما الجواب عن حديث عائشة إنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت ، وأما في غير البيوت فلا تطلع هي عليه ، وقد حفظه حذيفة ، رضي الله عنه ، وهو من كبار الصحابة ، وأيضاً يمكن أن يكون قول عائشة : ( ما بال قائماً ) ، يعني في منزله ، ولا اطلاع لها ما في الخارج . فان قلت : قال أبو عوانة في ( صحيحه ) وابن شاهين : إن حديث حذيفة منسوخ بحديث عائشة ، رضي الله عنها ، قلت : الصواب أنه لا يقال إنه منسوخ ، لأن كلاًّ من عائشة وحذيفة أخبر بما شاهدة ، فدل على أن البول قائماً وقاعداً يجوز ، ولكن كرهه العلماء قائماً لوجود أحاديث النهي ، وإن كان أكثرها غير ثابت . وأما حديث بريدة في هذا غير محفوظ ، ولكن فيه نظر ، لأن البزار أخرجه بسند صحيح كما ذكرنا . وأما